أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
475
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله فما تحقق سير السائرين ورحيلهم إلى المحبوب إلا بمحاربة النفوس ومجاهدتها وقتلها كما أبان ذلك بقوله : 244 - لولا ميادين النفوس ما تحقّق سير السائرين . قلت : الميادين جمع ميدان بكسر الميم وبفتحها وبه صدّر في القاموس ، وهو مجال الخيل ، ثم استعير هنا لمحاربة النفوس ومجاهدتها ، فهي تارة تكر عليه فتظفر به ، وتارة يكر عليها فيظفر بها ، وفي هذا المعنى قال شيخ شوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه : سايس من النفس جهدك * وصبّح ومسّ عليها لعلّها تدخل بيدّك * فتعود تصطاد بيها فقد بين رضي اللّه تعالى عنه كيفية مجاهدتها ، وعلّمك الحيلة في أخذها ، وذلك أن تدخل معها شيئا فشيئا ، فتعلمها الصمت وحده ، ثم العزلة ، ثم تقدمها للخراب شيئا فشيئا ، تقدمها للقليل ، فإذا استأنست به زدتها شيئا آخر وهكذا ، فأحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ ، ولا يعلّمها البطالة ، فورده من العمل الذي تموت به لا يتركه ، وقد كنت في حالة المجاهدة إذا هممت بترك وردي نادتني هواتف الأكوان حتى كنت في بعض الأيام تخاطبني الصبيان : يا هذا اليهودي حين نهتم بترك وردي من السؤال ، وقد سمعت مرارا متعددة حين نستعمل خرابا : زد على يدك ، وتارة يقول : زد صف سبيكتك ، وتارة نسمع : يا عساس حين يسرقني شيء من الحس ، وهكذا ، وكانت مجاهدتي لنفسي كلها سياسة لم أحملها من المرة الأولى إلا ما تطيقه حتى تستأنس به ثم نزيدها حتى كنا « 1 » نفعل بها ما نشاء . قال بعض العارفين : انتهى سير الطالبين إلى الظفر بنفوسهم ، فإن ظفروا بها وصلوا ، وما ذكرته من السياسة للنفس والاحتيال عليها هو الصواب ، قال في المباحث : واحتل على النفس فربّ حيله * أنفع في النصر من القبيلة
--> ( 1 ) في المطبوع : كنت .